السيد محمد الحسيني الشيرازي
58
الفقه ، السلم والسلام
السامية السمحاء ، وأسلوب هذه الدعوة لم يكن القوة والقسر والضغط ، ولم يكن الإكراه فيه وسيلة من وسائل الدخول في الدين كما قال سبحانه : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ « 1 » ، وإنما كان السبيل هو النظر المتريث والبحث المتأني واستعمال العقل وإعمال الفكر الرصين ، والنظر في ملكوت السماوات والأرض كما قال سبحانه وتعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ « 2 » . أما النصارى وغيرهم من الأديان وحتى المشركين ، فلم يبدأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقتل أحد منهم ، وقد أرسل صلى الله عليه وآله وسلم رسله بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الإسلام ، فأرسل إلى قيصر ، وإلى كسرى ، وإلى المقوقس ، وإلى النجاشي ، وإلى ملوك العرب باليمن والشام ، فدخل في الإسلام من دخل من النصارى وغيرهم . ومن هنا لا تعتبر الفتوحات الإسلامية حروبا توسعية ، ولا استعمارية ، ولا استثمارية ، ولا تنازعية ، بل هي الدعوة الدمثة اللينة إلى دين متكامل من ألفه إلى يائه ، فإذا وقف أحد في سبيل هذه الدعوة بتعذيب من آمن بها ، أو وضع العقبات في سبيل تقدمها ، أو صد من أراد الدخول فيه ، أو حجب الداعي عن تبليغه ، أو أخذ يخطط لضعضعته وإيهانه ، فإن الإسلام يأمر بصد ذلك ، وإذا اقتضى الأمر وجب إشهار السيف بالقدر الذي يزيل العثرة والضرر والاعتداء فقط . وقد ذكر في التاريخ أن أول قتال بدء بين المسلمين والنصارى في الشام ، وذلك لما عمدوا إلى قتل بعض من أسلم ، فلما شرعوا بقتل المسلمين ظالمين أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عسكراً إلى مؤتة ولَّى عليهم زيد بن حارثة ودفع الراية إليه وقال إن قتل زيد فالوالي عليكم جعفر بن أبي طالب عليه السلام وإن قتل جعفر فالوالي عليكم عبد الله بن رواحة الأنصاري وسكت « 3 » ، وهو أول قتال بين المسلمين والنصارى .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 256 . ( 2 ) سورة الأعراف : 185 . ( 3 ) للتفصيل راجع الاحتجاج : ج 1 ص 166 .